المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة صوت صفير البلبل الشهيرة.. دهاء شاعر..؟؟ أم تخريف جاهل؟؟ إقرؤوا و احكموا بنفسكن..!


ahmad-sy
10-17-2008, 03:02 PM
نشر في المجلة العربية - عدد ( 256 ) جمادى الآخرة 1419 ص 94

شاع بين نابتة هذا العصر قصيدة متهافتة المبنى والمعنى ، منسوبة للأصمعي ، صنعت لها قصة أكثر تهافتاً ، وخلاصة تلك القصة أن أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرة واحدة ، وله مملوك يحفظه من مرتين ، وجارية تحفظه من ثلاث مرات ، فكان إذ ا جاء شاعر بقصيدة يمدحه بها ، حفظها ولو كانت ألف بيت (؟!!) ثم يقول له :إن القصيدة ليست لك ، وهاك اسمعها مني ، ثم ينشدها كاملة ، ثم يردف : وهذا المملوك يحفظها أيضاً – وقد سمعها المملوك مرتين ، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة – فينشدها ، ثم يقول الخليفة : وهذه الجارية تحفظها كذلك – وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات- فتنشدها ، فيخرج الشاعر مكذباً متهماً .

قال الراوي : وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه ، فعرف حيلة الخليفة ، فعمد إلى نظم أبيات صعبة ، ثم دخل على الخليفة وقد غيّر هيئته في صفة أعرابي غريب ملثّم لم يبِنْ منه سوى عينيه (!!) فأنشده :

صوت صفيـر البلبـل هيـج قلـبـي الثـمـل
المـاء والزهـر معـا مع زهر لحـظ المقـل
وأنـت يــا سيـدلـي وسـيـدي ومـولـلـي
فكـم وكــم تيمـنـي غـزيـل عقيـقـلـي
قطفتـه مـن وجـنـة مـن لثـم ورد الخجـل
فـقــال لا لا لا لا لا وقـد غـدا مهـرولـي
والخـود مالـة طربـا من فعـل هـذا الرجـل
فـول ولـة وول ولـة ولي ولي يا ويل لا لـي
فقلـت لا تـول ولــي وبيـنـي اللـؤلـؤلـي
قالـت لـه حيـن كـذا إنهـض وجـد بالنقلـي
وفتـيـت سقـونـنـي قـهـوة كالعسـلـلـي
شممـتـهـا بـأنـفـي أزكـى مـن القرنـفـل
في وصط بستان حلـي بالزهـر والسرورولـي
والعـود دن دن دنـلـي والطـب طبطبطبـلـي
طبطبطـب طبطبطـب طبطبطـب طبطبـلـي
والسقـف سقسقسقـلـي شوى شوى وشاهيشـوا
علـى ورق سفـرجـل وغـرد القمـر يصيـح
مـلـل فــي ملـلـي ولـو ترانـي راكـبـا
علـى حمـار أهــزل يمشـي علـى ثـلاثـة
كمشـيـة العرنـجـل والناس ترجـم جملـي
في السـوق بالكركللـي والكل كـع كـع كعكـع
خلفي ومـن حويلالـي لكـن مشيـت هـاربـا
مـن خشيـة العقنقلـي إلى لقاء ملك معظم مبجل
يأمـرلـي بخـلـعـة حـمـراء كالدمدمـلـي
أجـر فيـهـا ماشـيـا مـبـغـددا لـلـذيـل
أنـا الأديـب الألمعـي من حي ارض الموصلي
نظمت قطعـا زخرفـت يعجز عنهـا الأدبولـي
اقـول فـي مطلعـهـا صوت صفيـر البلبـل

وهلمّ شرّا ( بالشين لا بالجيم ) ، فكلها هذر سقيم ، وعبث تافه معنى ومبنى .

ولم ينته العبث بالعقول ، فقد زاد الراوي أن الخليفة والمملوك والجارية لم يحفظوها ، فقال الخليفة للأصمعي : يا أخا العرب ، هات ما كتبتها فيه نعطك وزنه ذهباً ، فأخرج قطعة رخام وقال : إني لم أجد ورقاً أكتبها فيه ، فكتبتها على هذا العمود من الرخام ، فلم يسع الخليفة إلا أن أعطاه وزنه ذهباً ، فنفد ما في خزانته (!!!) .

إنّ هذه القصة السقيمة والنظم الركيك كذب في كذب ، وهي من صنيع قاصّ جاهل بالتاريخ والأدب ، لم يجد ما يملأ به فراغه سوى هذا الافتعال الواهن .

إن القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق ، ولم أجدها بعد بحث طويل إلا في كتابين ، الأول : إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ، لمحمد دياب الإتليدي ( ت بعد 1100هـ ) وهو رجل مجهول لم يزد من ترجموا له على ذكر وفاته وأنه من القصّاص ، وليس له سوى هذا الكتاب .

والكتاب الآخر : مجاني الأدب من حدائق العرب ، للويس شيخو ( ت 1346هـ ) ،وهو رجل متّهم ظنين ، ويكفي أنه بنى أكثر كتبه على أساس فاسد - والتعبير لعمر فرّوخ ( ت 1408هـ ) - وكانت عنده نزعة عنصرية مذهبية ، جعلته ينقّب وينقّر ويجهد نفسه ، ليثبت أن شاعراً من الجاهليّين كان نصرانياً ( راجع : تاريخ الأدب العربي 1/23) .

ويبدو أن الرجلين قد تلقفا القصة عن النواجي ( ت859هـ ) _ وقد أشار شيخو إلى كتابه ( حلبة الكميت ) على أنه مصدر القصة ، ولم أتمكّن من الاطلاع عليه ، على أن النواجي أديب جمّاع ، لا يبالي أصحّ الخبر أم لم يصحّ ، وإنما مراده الطرفة ، فهو يسير على منهج أغلب الإخباريين من الأدباء ، ولذا زخرت مدوّنات الأدب بكل ما هبّ ودبّ ، بل إن بعضها لم يخلُ من طوامّ وكفريّات .

وتعليقاً على كون الإتليديّ قصّاصاً ، أشير إلى أن للقصّاص في الكذب والوضع والتشويه تاريخاً طويلاً ، جعل جماعة من الأئمة ينهون عن حضور مجالسهم ، وأُلّفت في التحذير منهم عدة مصنّفات ( راجع : تاريخ القصّاص ، للدكتور محمد بن لطفي الصباغ ) .

ثمّ اعلم أيها القارئ الحصيف أن التاريخ يقول : إن صلة الأصمعي كانت بهارون الرشيد لا بأبي جعفر المنصور الذي توفي قبل أن ينبغ الأصمعي ، ويُتّخذ نديماً وجليساً ، ثم إن المنصور كان يلقّب بالدوانيقي ، لشدة حرصه على أموال الدولة ، وهذا مخالف لما جاء في القصة ، ثم إن كان المنصور على هذا القدر العجيب من العبقريّة في الحفظ ، فكيف أهمل المؤرخون والمترجمون الإشارة إليها ؟

أضف إلى ذلك أن هذا النظم الركيك أبعد ما يكون عن الأصمعي وجلالة قدره ، وقد نسب له شيء كثير ، لكثرة رواياته ، وقد يحتاج بعض ما نُسب إليه إلى تأنٍّ في الكشف والتمحيص قبل أن يُقضى بردّه ، غير أن هذه القصة بخاصة تحمل بنفسها تُهَم وضعها ، وكذلك النظم ، وليس هذا بخاف عن اللبيب بل عمّن يملك أدنى مقوّمات التفكير الحرّ .

ولم أعرض لها إلاّ لأني رأيت جمهرة من شداة الأدب يحتفون بالنظم الوارد فيها ، ويتماهرون في حفظه ، وهو مفسدة للذوق ، مسلبة للفصاحة ، مأذاة للأسماع .
وبعد : فإنه يصدق على هذه القصّة قول عمر فرّوخ رحمه الله إن مثل هذا الهذر السقيم لا يجوز أن يُروى ، ومن العقوق للأدب وللعلم وللفضيلة أن تؤلف الكتب لتذكر أمثال هذا النظم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

و كما أعلم أن كثير من الشباب يتسابقون بحفظ هذه القصيدة

فأحببت أن أنقل لكم هذا الموضوع

masheel
10-17-2008, 03:05 PM
أشكرك بالفعل أخوي أحمد .. "" على القصيدة الحلوة ..

نتمنى منك التفاعل معانا دائماً

ahmad-sy
10-17-2008, 03:19 PM
يا هلا ابو عمر
نورت